
عندما عرض الكاتب الكبير الأستاذ نجيب محفوظ على الناشر سعيد السحار، روايته (بين القصرين)، قال في نفسه (مين ها يقرا الداهية دي)، كانت أكثر من ألف صفحة، ثم تناولها منه ووضعها على أحد الأرفف، وفي زحام الانشغالات نسيها، حزن محفوظ حزنًا شديدًا على عدم نشر روايته حتى جاء يوم قابله الأستاذ يوسف السباعي صدفة، وكان يرأس تحرير مجلة الرسالة الجديدة، وسأله إن كان لديه ما يريد نشره، فتذكر محفوظ روايته، كان قد مضي عليها عند السحار حوالى السنة، ذهب إليه وكله قلق أن تكون قد فقدت في زحام الأوراق، إذ لم يكن لديه نسخة أخري، كانت نسخة وحيدة خطها محفوظ بنفسه. قَلَّبَ السحار الأرفف حتى عثر عليها ليلتقط محفوظ أنفاسه ويسلمها إلى السباعي الذي ما أن نشرها في فصول حتى حققت انتشارًا كبيرًا، جعل السحار يتصل بمحفوظ ويتفق معه على إعادة نشرها في اجزاء، بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، ولتعرف فيما بعد بالثلاثية.
ما حدث في ثلاثية محفوظ كاد يتكرر مع رواية الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكس (1883 – 1957)، (تقرير إلى جريكو)، قرابة السبعمائة صفحة حكى فيها لجده جريكو سيرة حياته ورؤيته للعالم.
سجل كازانتزاكس شهادته عن طفولة قاسية في كنف أب ينحدر من أصول عربية، عملاق الهيئة، قاسي القلب، لا يعرف الرحمة أو الشفقة، ناول ابنه للمدرس في أول يوم دراسي وقال له، (اللحم لك والعظم لنا)، أعطاه ضوءً أخضر في سبيل غاية واحدة، أن يتعلم ابنه، وقد كان.
أنهي دراسة القانون في أثينا، ومنها إلى الفلسفة في باريس، ثم تقاذفته العواصم والمدن، وعندما رُشح لنوبل خسرها بفارق صوت واحد عن ألبير كامي، رغم ما حققته روايته زوربا من أصداء طيبة.
اللقاء الصدفة بين محفوظ والسباعي تكرر أيضًا مع كازانتزاكس ولكن مع شخص غريب الأطوار، فرغم كثرة من قابلهم في حياته، ظلت شخصية (زوربا) الأكثر تأثيرًا عليه، رجلٌ بسيط لم يتلق أي قسط من التعليم، بنىخبرته في الحياة على المحاولة والخطأ والتأمل، تعلم لغة الحياة ومفرداتها، وأيقن أن السعادة تكمن في قلب كل شيء، حتى في الأحزان.
وقف كازانتزاكس الحاصل على أعلى الشهادات والدارس في المعاهد الأوربية والشرقية المختلفة مبهورًا أمام رجل يتعاطي مفردات الحياة بقلبه قبل عقله، جرئ مغامر لا يأبه للمخاطر ، فاستلهم شخصيته وأصدر روايته زوربا. سأله ساخرًا ذات يوم، (لماذا لا تكتب وتشرح لنا أسرار العالم يا زوربا؟، فأجابه متهكمًا، لماذا؟!!. لأنني رأيت جميع الأسرار التي تتحدث عنها، لكنني لا أملك الوقت لكتابتها، فأين أجد الوقت لآخذ ريشة لا تخط إلا كلامًا لا معني له؟ ... أتفهم)
كان زوربا مباشرًا وعفويًا، قال لصاحبه ذات يوم، "عندما نعيش سعادة ما، فنادراً ما نحس بذلك. لكن عندما تمضي وننظر خلفنا، نحس فجأة -وأحياناً بدهشة- كم كنا سعداء". كان زاكنتزاكس ينظر في الكتب ليتعلم، وكان زوربا يتأمل ليعرف.
ثلاثة أبدعوا شخصية زوربا، زاكنتزاكس حين خلدها روائيًا، وأنتوني كوين (1915-2001)، المكسيكي المولد العالمي الشهرة، حين نقلها إلى فضاءات الشاشات الفضية، والموسيقار اليوناني، ميكيس ثيودوراكيس، عندما جعلها شعارًا للسعادة في كل الدنيا، وبصمة حصرية لليونان، ما إن يُسمع أول حرف موسيقي حتى تنتظم صفوف الراقصين، وتدق الأكف في إيقاع ساحر. من قبل رحل زاكنتزاكس، ومن بعده أنتوني كوين، وفي الأسبوع الماضي حلق ثيودوراكيس بموسيقاه في فضاء العالم الآخر ليلحق بزوربا الأصل بعد ما سكنت موسيقاه آذاننا.