
تمضي حياتنا بين ثلاث؛ جمع بيانات، ثم استيعابها، فاتخاذ قرار. يحدث ذلك في كسر المليون من الثانية بطريقة آلية لا نشعر بها ولا نتوقف عندها. في الطريق إلى العمل، تجمع عيوننا وآذاننا البيانات من الشارع، من المذياع، من نشرة الطقس، من حديث عابر، أو غير ذلك فتعمل خوارزميات التحليل عليها بشكل آلي، فنتخذ قرار ما؛ ربما كان ارتداء معطف ثقيل، أو اجراء مكالمة هاتفية، أو تجنب طريق ما لتلافي الزحام. يحدث هذا بشكل عفوي قلما نفكر في منهجيته.
على مستوى مختلف، تحدد درجات الطلاب قواعد القبول بالجامعات. ومن مؤشرات الأسواق تُتخذ قرارات الاستثمار. ومن بيانات الدول تتحدد العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية. ناهيك عن الصرعات الإعلامية المعتمدة على بث معلومات بعينها، فيما يعد جمع البيانات والمعلومات الهدف الأول لأجهزة المخابرات.
في التقرير الصادر تحت عنوان "تحليل البيانات النوعية Qualitative Data Analysis"، قدمت مارجريت روللر، الباحثة في علوم تحليل البيانات والخبيرة في العديد من مؤسسات الاتصالات ودور النشر، تحليلاً لستة عشر بحثًا عن بيانات وصفية جُمعت خلال استبيانات ومقابلات، تتميز بقدرتها على استكشاف أفكار الآخرين وتوجهاتهم.
على سبيل المثال، عندما يقرأ طالب فقرة من كتاب على مسمع من زملائه في الفصل، ثم يعلق المدرس على طلاقة لغته، ومستوي إجادته للقراءة، مُتطرقًا لفنون تنغيم ومخارج الحروف ووضوح نطقه، فهذا مثال على البيانات الوصفية. أما إذا عَلَقَ المدرس على درجات الطالب، فهذا بيان كمي.
تمر البيانات كافة بأربعة مراحل؛ التجميع، التحليل، إعداد التقارير، ثم إجراء ما للاستفادة منها. يستدعي تجميع البيانات تحديد نطاق الاهتمام والعوامل ذات الصلة ومستويات تأثيرها/ارتباطها بالموضوع، ومن ثم يجري تحليلها بغرض تقسيمها إلى أنماط تُصنَف بدورها إلى مجموعات وثيقة الصلة ببعضها البعض، يطلق على كل منها مجموعة البيانات Dataset، وبلا شك يتوقف مستوى جودة التحليل على اكتمال البيانات ودقتها. من هنا تأتي عملية تنقيحها Verification للحكم على مستوى مصداقيتها، وعليه تتحدد قيمة المرحلة الرابعة؛ الاستفادة منها.
وتصف مارجريت عملية تحليل البيانات النوعية بأنها بالغة التعقيد إذا ليس من السهل تحليل وتصنيف الانطباعات البشرية بتشابكاتها الأقرب لكرة من الإسباجيتي، فاستنتاج انطباعات ما وراء تغريدة على تويتر، أو بوست على وآتس آب أو غيرهما من برامج التواصل الاجتماعي ليس بالأمر اليسير. ولا نبالغ إن قلنا أن تحليل مثل هذه البيانات النوعية يعتمد على الفوضى، بمعني التخمين والاختبار والتصويب، في دورات متتالية يرتفع مستوى الدقة بزيادة عدد الدورات حتى نصل إلى النتيجة الصحيحة، ليولد النظام من قلب الفوضى.
علميًا، تُشير الفوضى إلى صعوبة قولبة ما نرصده من ظواهر في إطار قانوني حاكم، مثال ذلك ينتج عن ارتطام موج البحر بالصخور رذاذ يتشتت في كافة الأنحاء، توصف اتجاهاته بأنها فوضوية، إذ تأخذ قُطيرات الماء بعد كل ارتطام اتجاه وسرعة مختلفين، ومن ثم يصعب حبس هذه الظاهرة في معادلة تحكمها. على نفس الوتيرة يصعب التنبؤ باتجاهات الطير في السماء وبحركة جموع الأفراد في الشارع، ومع هذا استطاع العلماء -عبر نماذج رياضية معقدة- وضع قواعد لتلك الفوضى، مما يمكن معه وصفها بالفوضى الخلاقة.
خلال شغلها منصب وزيرة الخارجية الأمريكية في الفترة من 2005 حتى 2009، روجت كونداليزا رايس لمفهوم الفوضى الخلاقة في المنطقة، عن طريق نشر معلومات وبيانات تؤدي إلى خلخلة النظم السياسية في الشرق الأوسط تُحدث حالة من الفوضى ينتج عنها نظام جديد. عُدنا للبيانات !!.